وهبة الزحيلي
185
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل ، وذكر الأيدي بالذات لكثرة تداول الأعمال بهن . تَأْكُلُهُ النَّارُ إسناد الأكل إلى النار من طريق الاستعارة ؛ لأن حقيقة الأكل تكون للإنسان والحيوان . يوجد طباق بين فَقِيرٌ و أَغْنِياءُ وجناس مغاير في قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا وفي كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ . وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ليست للمبالغة وإنما هي للنسب مثل عطار ونجار . المفردات اللغوية : سَنَكْتُبُ نأمر بكتب ما قالُوا أي نأمر بكتب أقوالهم في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه ، والمراد : أننا سنعاقبهم عليه ذُوقُوا أصل الذوق : إدراك الطعم في الفم ، ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات ، وهو المراد هنا الْحَرِيقِ المحرق والمؤلم ، والحريق : اسم للملتهبة من النار ، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة والمراد عذاب هو المحرق والمؤلم ، وهو النار ، فعذاب الحريق يراد به عذاب هو الحريق ، أي سننتقم منهم عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا في التوراة وأوصانا به . بِقُرْبانٍ هو ما يتقرب به إلى اللّه من حيوان ونقد وغيرهما ، أي فلا نؤمن لك حتى تأتينا به ، والمراد من النار : النار التي تنزل من السماء . قُلْ لهم توبيخا بِالْبَيِّناتِ المعجزات الواضحة وَالزُّبُرِ جمع زبور وهو الكتاب ، مثل صحف إبراهيم الْمُنِيرِ الواضح ، وهو التوراة والإنجيل ، أي إذا كذبك الناس فتكذيب الرسل أمر شائع فيمن قبلك ، فاصبر كما صبروا . سبب النزول : نزول الآية ( 181 ) : لَقَدْ سَمِعَ : أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر بيت المدارس « 1 » ، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له ( فنحاص ) فقال له : واللّه يا أبا بكر ما بنا إلى اللّه من فقر ، وإنه إلينا لفقير ، ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا ، كما يزعم صاحبكم ، فغضب أبو بكر ، فضرب
--> ( 1 ) المدراس والمدرس : الموضع الذي يدرس فيه ، والمدرس أيضا : الكتاب .